أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

328

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 13 إلى 14 ] تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 13 ) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ( 14 ) قوله تعالى : يُدْخِلْهُ : حمل على لفظ « مَنْ » فأفرد الضمير في قوله : « يُطِعِ » و « يُدْخِلْهُ » ، وعلى معناها فجمع في قوله « خالِدِينَ » . وهذا أحسن الحملين ، أعني الحمل على اللفظ ثم المعنى ، ويجوز العكس وإن كان ابن عطية قد منعه ، وليس بشيء لثبوته عن العرب ، وقد تقدّم ذلك غير مرة وفيه تفصيل ، وله شروط مذكورة في كتب النحو . وفي نصب خالِدِينَ وجهان : أظهرهما : أنه حال من الضمير المنصوب في الضمير المنصوب في « يدخله » ، ولا يضرّ تغاير الحال وصاحبها من حيث كانت جمعا وصاحبها مفردا لما تقدّم من اعتبار اللفظ والمعنى ، وهي مقدّرة لأنّ الخلود بعد الدخول . والثاني : أن يكون نعتا ل « جَنَّاتٍ » من باب ما جرى على موصوفه لفظا وهو لغيره معنى نحو : مررت برجل قائمة أمه ، وبامرأة حسن غلامها ، ف « قائمة » و « حسن » وإن كانا جاريين على ما قبلهما لفظا فهما لما بعدهما معنى ، أجاز ذلك في الآية الكريمة الزجاج وتبعه التبريزي ، إلّا أنّ الصفة إذا جرت على غير من هي له وجب إبراز الضمير مطلقا على مذهب البصريين : ألبس أو لم يلبس . وأما الكوفيون فيفصّلون فيقولون : إذا جرت الصفة على غير من هي له : فإن ألبس وجب إبراز الضمير كما هو مذهب البصريين نحو : « زيد عمرو ضاربه هو » إذا كان الضرب واقعا من زيد على عمرو ، وإن لم يلبس لم يجب الإبراز نحو : « زيد هند ضاربها » ، إذا تقرّر هذا فمذهب الزجاج في الآية إنما يتمشّى على رأي الكوفيين ، وهو مذهب حسن . واستدلّ من نصر مذهب الكوفيين بالسماع ، فمنه قراءة من قرأ : « إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ » « 1 » بجر « غير » مع عدم بروز الضمير ، ولو أبرزه لقال : وغير ناظرين إناه أنتم » ومنه قول الآخر : 1562 - قومي ذرا المجد بانوها وقد علمت * بكنه ذلك عدنان وقحطان « 2 » ولم يقل : بانوها هم ، وقد خرّج بعضهم البيت على حذف مبتدإ تقديره : هم بانوها ، ف « قومي » مبتدأ أول » و « ذرا » مبتدأ ثان ، و « هم » مبتدأ ثالث ، و « بانوها » خبر الثالث ، والثالث وخبره خبر الثاني ، والثاني وخبره خبر الأول . وقد منع الزمخشري كون « خالِدِينَ » و « خالِداً » صفة ل « جَنَّاتٍ » و « ناراً » بعدم بروز الضمير فقال : « فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل « جَنَّاتٍ » و « ناراً » ؟ قلت : لا ، لأنهما جريا على غير من هما له ، فلا بد من الضمير في قولك : « خالدين هم فيها ، وخالدا هو فيها » . ومنع أبو البقاء ذلك أيضا بعدم إبراز الضمير لكن مع « خالِداً » ، ولم يتعرض لذلك مع « خالِدِينَ » ، ولا فرق بينهما ،

--> ( 1 ) سورة الأحزاب ، آية ( 53 ) . ( 2 ) البيت في العيني ( 1 / 157 ) ، الهمع ( 1 / 96 ) ، التصريح ( 1 / 162 ) ، الدرر ( 1 / 72 ) .